ألقى رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل الدكتور مصطفى الفوعاني مداخلة في ندوة عاشورائية تناول فيها المعاني العميقة لثورة الإمام الحسين (ع)، مؤكّدًا أن عاشوراء ليست محطة بكائية أو طقسًا سنويًا فحسب، بل هي مدرسة متكاملة في الفكر والوعي والإصلاح، أرساها الإمام موسى الصدر لتبقى حيّة في ضمير الأمة ووجدانها، باعتبارها مشروعًا دائمًا لمواجهة الظلم وبناء الإنسان الحرّ.
وأوضح أن الإمام الصدر أراد من استلهام عاشوراء أن يتحول إلى سلوك يومي في حياة الناس، يقوم على رفض الذلّ، وصون الكرامة، وتعزيز الوحدة الوطنية، معتبرًا أن لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى استحضار هذه القيم في ظل الأزمات المتراكمة والتحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وأضاف الفوعاني أن قراءة عاشوراء في بعدها الصدري تعني الانحياز الدائم للإنسان، والدفاع عن الأرض، وحماية الاستقرار الداخلي، بعيدًا عن الانقسام والتجاذب، مشيرًا إلى أن قوة لبنان تكمن في وحدته الداخلية وتماسك مكوناته، لا في تفككه أو صراعاته.
وفي هذا السياق، استحضر الفوعاني مواقف الرئيس نبيه بري، حيث يشدّد على مجموعة من الثوابت الوطنية الجامعة، وفي مقدّمها أولوية انسحاب الاحتلال الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب، وتأمين عودة الأهالي إلى قراهم ومدنهم، إضافة إلى إطلاق الأسرى، والشروع في مسار إعادة إعمار ما دمّرته الاعتداءات، بدعم عربي ودولي يضمن بقاء الناس في أرضهم وتمسّكهم بها.
كما توقف الفوعاني عند أهمية ما أعلنه بري من أن التواصل قائم ودائم مع مختلف المسؤولين، رغم اختلاف وجهات النظر، ما يعكس – بحسب تعبيره – إدراكًا عميقًا لحساسية المرحلة وضرورة تغليب المصلحة الوطنية على أي اعتبارات أخرى، مؤكّدًا أن ما يجمع اللبنانيين أكبر بكثير مما يفرّقهم.
وأشار الفوعاني إلى أن الخلاف في الرؤى السياسية أمر طبيعي في الحياة الديمقراطية، لكنه يصبح خطيرًا حين يتحول إلى قطيعة أو صراع، لذلك فإن الحفاظ على قنوات التواصل والحوار هو الضمانة الأساسية لتفادي الانزلاق نحو أزمات أكبر، خاصة في ظل الظروف الدقيقة التي تمر بها البلاد.
وأكد أن خيار الصمود في الجنوب، وتمسّك الأهالي بأرضهم، هو امتداد مباشر لروح كربلاء، حيث تتجلى معاني التضحية والثبات في مواجهة التحديات، مشيرًا إلى أن التمسك بالأرض ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل هو فعل إيماني ووطني يعكس عمق الانتماء.
وشدد رئيس الهيئة التنفيذية على أن أي معالجة للملفات الوطنية الكبرى، سواء المتعلقة بالحدود أو الأمن أو إعادة الإعمار، لا يمكن أن تنجح من دون رؤية موحّدة وإرادة سياسية جامعة، لأن التجزئة أو الحلول الجزئية لا تؤدي إلا إلى إطالة الأزمات وتعقيدها.
وفي سياق حديثه عن الجنوب، دعا الفوعاني إلى اعتماد مقاربة وطنية شاملة تقوم على التنظيم الإداري المتوازن، وربط الانسحاب بالانتشار، والعودة بالإعمار، بما يضمن حماية المدنيين وتسريع عودة الحياة الطبيعية إلى المناطق المتضررة.
كما اعتبر أن التمسك بالوقت والعمل على تسريع الحلول أفضل من الدخول في تفاصيل تقنية معقدة قد تؤدي إلى تعطيل المسارات، مشيرًا إلى أن المصلحة الوطنية تقتضي اعتماد جداول زمنية واضحة وواقعية، بدل الغرق في نقاشات لا تنتهي.
وختم الفوعاني كلمته بالتأكيد على أن الحوار الوطني يبقى السبيل الوحيد لمعالجة الأزمات المتراكمة، وصون الاستقرار الداخلي، وبناء دولة قادرة على حماية جميع أبنائها دون استثناء، معتبرًا أن هذا الخيار هو ترجمة عملية لروح عاشوراء التي تدعو إلى الإصلاح والوحدة ورفض الفتنة، وإلى جعل الوطن فوق كل اعتبار.




